السيد محمد الصدر

120

منة المنان في الدفاع عن القرآن

وأدلّةٍ لائحةٍ . ولا يخفى : أنَّ المفسّرين قد اختلفوا في تفسير هذه الآية المزبورة : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا وأنا في محلّه ذكرت بيان ذلك ، وكان أوضح أُطروحةٍ هي : أنَّهم منفكّون عن حالهم ودينهم ، أي : إنَّهم لا يؤمنون بك إلّا بالتجزّع لا بالسهولة ؛ إذ ليس ذلك من شأنهم أيضاً . والتفسير الآخر أن نقول : إنَّه لا يصحّ أن يُقال : إذا كان الفعل الناقص في سياق النفي أفاد الشأنيّة ، وأمّا إذا كان في سياق الإثبات لم يفد الشأنيّة ، بل الفعل في كلا السياقين يفيد الشأنيّة ، والشأنيّة ليس لها قرينةٌ معيّنةٌ إلّا القرينة الارتكازيّة . نعم ، ( كان ) قد تفيد الماضي ، ولكن في بعض الأحيان بقرينةٍ ارتكازيّةٍ نفهم منها الشأنيّة : سواء كانت مثبتةً أم منفيّةً . أمّا المنفيّة فكما في قوله تعالى : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى « 1 » وقوله : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ « 2 » . وأمّا المثبتة منها فكثيرةٌ بالنسبة إلى الأسماء الحسنى ، نحو قوله تعالى : إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً « 3 » وقوله تعالى : كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً « 4 » وقوله تعالى : وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا « 5 » أي : من شأن عهد الله أن يكون مسؤولًا عنه ، ونحوه قوله تعالى : وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً « 6 » . فلا يُقال حينئذٍ : إنَّ ( كان ) مطلقاً لا تفيد الزمان ، وإنَّما هنا لا تفيد الزمان ، بل هنا تفيد

--> ( 1 ) سورة الأنفال ، الآية : 67 . ( 2 ) سورة البيّنة ، الآية : 1 . ( 3 ) سورة الفرقان ، الآية : 6 . ( 4 ) سورة الفتح ، الآية : 11 . ( 5 ) سورة الأحزاب ، الآية : 15 . ( 6 ) سورة الفرقان ، الآية : 55 .